الثلاثاء، 14 فبراير 2017

من دلائل النبوة

أبواب دلائل النبوة
مقدمة في بيان الآيات التي أوتيها نبينا عليه الصلاة والسلام:
لما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن ينزل عليه من الآيات البينات التي يكون بها تحدي المعاندين، بل جعل له القرآن آية عظيمة، فتحدى العرب أن يأتوا بسورة من مثله، فكان التحدي بالقرآن هو الآية الأولى لنبينا عليه الصلاة والسلام، ويزداد التحدي بكونه رجلا أميا لم يقرأ ولم يكتب، وكان فيهم الشعراء والفصحاء، ولكنهم عجزوا، قال تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) [سورة: العنكبوت - الآية: 48]. يعني لو كنت تقرأ أو تكتب لكان لهم أن يرتابوا.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يرغب إلى ربه أن ينزل عليه من الآيات مثل الذي كان يؤتاه الأنبياء، لكن الله تعالت قدرته وسلطانه يأبى على نبيه ذلك فيقول: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة: العنكبوت - الآية: 50-51]، يعنى كفى بهذا القرآن حجة قاطعة وبرهانا ساطعا، فماذا يريدون، لا يريدون إلا العناد، مهما جئت به، ويزاد على ذلك أن علماء أهل الكتاب كانوا يبشرون الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا أوان بعثة خاتم النبيين، فلما بعثه الله آمنت طائفة قليلة من علمائهم لا تبلغوا العشرة، وكفر آخرون منهم بغيا وظلما وحفاظا على تلك الأجور التي كانوا يتقاضونها، قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) [سورة: طه - الآية: 133]. وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ) [سورة: الشعراء - الآية: 196-197]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم تزداد رغبته ورجاؤه في ربه أن ينزل عليه من تلك الخوارق الملجئة إلى الإيمان، فيقول له ربه تبارك وتعالى: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ، وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [سورة: الأنعام - الآية: 35] يعني أن الله هو الهادي فلا تكن جاهلا فتسأل ربك ما ليس لك به علم، كما قال لموسى عليه السلام: (فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [سورة: هود - الآية: 46]. ثم بين له ربه تبارك وتعالى أن ما منعه من إرسال تلك الخوارق هو كون الأولين كذبوا بها فأهلكهم، قال تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ، وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا، وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) [سورة: الإسراء - الآية: 59] حيث جاء الناقة بطلب منهم وكان لهم فيها الخير والنفع العظيم، لكنهم ضاقوا بها ذرعا فعقروها فأهلكهم الله. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه من رواية أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ من الآيات مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". لكن كان ذلك في أول الأمر قبل تنزل الآيات على نبينا عليه الصلاة والسلام. وازداد إصرار النبي الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم على ربه في الطلب، حتى استجاب الله دعاءه، حيث قال له المشركون: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق القمر بقدرة من له الملك والعزة والقهر والسلطان، فشق له القمر آية بينة قاطعة، ولم يزدد بها الظالمون إلا نفورا، واستكبروا وعتوا عتوا كبيرا. فتواترت بعد ذلك الآيات، وقد عد له العلماء الذين تكلموا في دلائل النبوة  أكثر من ألف آية (معجزة). وسوف يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
ما جاء في إعجاز القرآن، وتحدي العرب أن يأتوا بسورة من مثله
قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ، هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة: الأعراف - الآية: 52]. وقال تعالى: (الَر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [سورة: هود - الآية: 1]. لكنه مهما أُحكم فإن المعاندين كذبوا به وزعموا أن محمدا يختلقه أو يعلمه إياه رجل من أهل الكتاب، أو تعلمه إياه الشياطين، أو أنه شاعر مجنون أو ساحر كذاب، فرد عليهم ذلك فقال: تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [سورة: الفرقان - الآية: 4-6]. أي أنزله الله الذي يعلم ما تسرونه من المكر، الذي تستحقون عليه العذاب، ولكن الله يتجاوز عنكم لأنه غفور رحيم بكم. وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) [سورة: النحل - الآية: 103]. لأن الذي نسبوا إليه أنه يعلمه رجل من أهل الكتاب، وهم لا يتكلمون بالعربية، فهو لم يقرأ، ثم لو قرأ كيف يتأتى له أن يترجم الكلام الأعجمي فيأتي به بليغا فصيحا على هذا النحو، وقال تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) [سورة: الشعراء - الآية: 210]. وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) [سورة: يس - الآية: 69]. وتحداهم الله تعالى أن يأتوا بكلام مثله فقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) [سورة: الطور - الآية: 33-34]. وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [سورة: هود - الآية: 13]. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [سورة: يونس - الآية: 37-38]. أي ادعوا من استطعتم من إنسكم وجنكم ليعينوكم. وقال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة: البقرة - الآية: 23]. وازداد لهم تحديا فقال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [سورة: الإسراء - الآية: 88]. ظهيرا أي معينا.
ما جاء في أمرهم بتدبر القرآن:
وأمرهم الله تعالى أن يتدبروا القرآن فقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [سورة: النساء - الآية: 82]. وقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [سورة: محمد - الآية: 24]، يعني ألم يتدبروه فيعلموا أنه حق أم أن قلوبَهم مقفلة لا يجد إليه النور سبيلا، وهذا هو الواقع أن قلوبهم مطموسة.
القرآن هو النور المبين والروح الذي تحيا به القلوب:
وصف الله تعالى كتابه في كثير من الآيات بأنه النور المبين الذي يستنار به في الظلمات، والروح الذي تحيا به الأنفس، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) [سورة: النساء - الآية: 174]. وقال تعالى: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [سورة: المائدة - الآية: 15-16]. وقال تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) [سورة: النحل - الآية: 2]. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا، مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [سورة: الشورى - الآية: 52]
افتتاح كثير من السور بحروف تدل على الإعجاز:
كقوله تعالى: (الم) [سورة: البقرة - الآية: 1]، ثم يتبعها بكلام دال على أن القرآن حق لا شك فيه، (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) [سورة: البقرة - الآية: 2]، وقال تعالى: (الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة: السجدة - الآية: 1-2]. وقال تعالى: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [سورة: هود - الآية: 1]. وقال تعالى: (حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [سورة: غافر - الآية: 1-2]. وقال تعالى: (حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [سورة: فصلت - الآية: 1-2]. وقال تعالى: (حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة: الشورى - الآية: 1]. وقال تعالى: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) [سورة: الرعد - الآية: 1]. وغيرها من فواتح السور كثير.
ذكر القرآن لقصص الأنبياء والمرسلين:
هذا القصص الذي ذكره القرآن هو من أخبار الغيب التي لم يتلقاها النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، ولا سبيل له إلى معرفتها إلا من مشكاة الوحي، فجعله الله تعالى لنبيه آية من آيات صدقه ودليلا على نبوته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى، وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة: يوسف - الآية: 111]. فلذلك كلما ذكر القرآن قصة ختمها بالإخبار بأنها من أنباء الغيب، قال تعالى بعد ذكر قصة مريم: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [سورة: آل عمران - الآية: 44], وقال بعد ذكر قصة نوح: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [سورة: هود - الآية: 49]، أي فاصبر على تبليغ رسالة ربك ولا يستخفنك ما يقوله المجرمون وما ينسبونه إليك من اختلاق القرآن، فإن العاقبة الحسنة للذين يتقون ربهم بالاستجابة له. وقال تعالى: (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [سورة: هود - الآية: 120]، فذكر الحكمة من ذلك القصص، عدا ما ذكرناه، وهو تثبيت فؤاد نبيه صلى الله عليه وسلم، بالاقتداء بإخوانه المرسلين في الصبر. وقال تعالى بعد ذكر سورة يوسف: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) [سورة: يوسف - الآية: 102]، أي ما كنت حاضرا مع إخوة يوسف إذ أجمعوا أمرهم على إلقائه في غيابات الجب. وقال تعالى بعد ذكر قصة موسى: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا، وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [سورة: القصص - الآية: 44-46]. الغربي أي الجبل الغربي، وهو طور سيناء، يعنى بعُدَ عهد الناس بالنبوة فبعثناك، لحاجة الناس إلى من يهديهم، وليس كما يزعمون أنك تختلق هذه الأخبار.
القرآن أحسن الحديث:
قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ) [سورة: الزمر - الآية: 23]. أي كتابا تتكرر فيه المواعظ وتتشابه، وقال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [سورة: الزمر - الآية: 55].
اعتراف زعيم الكفار بـأن القرآن حق:
قال تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *) [سورة: المدثر - الآية: 18-25]. وهذا المذكور هو الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة، (الصديق)، فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا، وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبُؤُ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم "ذرني ومن خلقت وحيدا- إلى قوله- لا تبقي ولا تذر". وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر.
إيمان نفر من الجن لما استمعوا إلى القرآن:
قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى، مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *) [سورة: الأحقاف - الآية: 29]. وكان هؤلاء الجن كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا (يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ) وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل:
ذكر الله عز وجل في كثير من الآيات أن علماء أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم بما ذكره من نعوته في التوراة والإنجيل، قال تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) [سورة: الأعراف - الأية: 157]. وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [سورة: البقرة - الأية: 146]. فذكرهم الله تعالى في القرآن بالعهد الذي أخذه عليهم وعلى أنبيائهم من الإيمان بمحمد خاتم النبيين ونصرته واتباع شريعته، وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْناكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) [سورة: آل عمران - الأية: 81]، وهذا العهد أخذه على أنبيائه كلهم، فمتى بعث هذا النبي وجب على الأنبياء وأتباعهم اتباعه وترك ما هم عليه، كما في مسند الإمام أحمد [14736] وسنن الدارمي [435] من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي)، يعني لو لم يتبعني ضاقت عليه الأرض بما رحُبت، فوجب على أتباع موسى وهم اليهود وأتباع عيسى وهم النصارى أن يؤمنوا بنبينا عليه الصلاة والسلام بما أُخذ من العهد عليهم، قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ *). [سورة: البقرة - الأية: 40-42]. يعني أوفوا بعهدي: وهو الإيمان بخاتم النبيين بدليله خاصة، وبغير ذلك عامة، أوف بعهدكم: بحسن الإثابة وإتمام النعمة. مصدقا لما معكم: أي للتوراة، لأنّها شاهدة على صدقه. أول كافر به: أي لا تسبقوا الناس إلى الكفر به، وعندكم من دلائل صدقه ما يُغنيكم. (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) لا تسترخصوا الحق فتتركوه مقابل ثمن قليل، وهو الأجر الذي يتقاضاه العلماء، أي لا تستبدلوا بِها ثمنا زهيدا، وهو ما يصرف لكم من الأجور، فتكتمون الحق (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) اتقوا عذابي بامتثال أمري، واجتناب نَهيي، لا غيري.
وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *). (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ) أي يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم على المشركين، وذلك أنّهم كانوا إذا اشتدت الحرب بينهم وبين المشركين، أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على مكان ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان، أن تنصرنا اليوم على عدونا، فينصرون. (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) أي جحدوه، وهذا أقبح الكفر، لأنّهم كفروا بما يعرفون قطعا أنه الحق.
وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ *).[سورة: يونس - الأية: 94-95]
ذكر من أعرض من أهل الكتاب:
أعرض كثير من علماء اليهود عن الشهادة بالحق والوفاء بالعهد الذي أخذه الله عليهم في التوراة والإنجيل، وآمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم طائفة قليلة، لا تبلغ العشرة، ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ) [البخاري 3941 مسلم 2793]، ولفظ رواية مسلم: (لَوْ تَابَعَنِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ). وهذه الطائفة المسلمة جاء القرآن بالثناء عليهم في كثير من الآيات: قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *). [سورة: آل عمران - الأية: 199]، وقال الله تعالى للمشركين والمعاندين من العرب: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا *). أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به العلماء من قبله، إذا استمعوه سجدوا لربهم باكين ضارعين بما عرفوه من الحق، كما قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [سورة: المائدة - الأية: 83]. أي مع الشاهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على كل الأمم يوم القيامة. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ، وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ). [سورة: الرعد - الأية: 36]. يعني أحزاب اليهود والنصارى المعرضين يؤمنون ببعض القرآن ويكفرون ببعضه، وقد وصفهم الله تعالى في القرآن بالمقتسمين: قال تعالى: (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [سورة: الحجر - الأية: 90-91] أي جعلوه أجزاء آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. وقال الله تعالى أيضا للمعاندين من العرب: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً، قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ *). [سورة: الرعد - الأية: 43]. يعني علماء أهل الكتاب.
وقال تعالى في المعرضين منهم: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ *). (بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ) أي بما بينه لكم خاصة، من نعت محمد في كتابكم، ومن أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه ونصرته، يعني أنه سر ينبغي أن يُكتم (لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) أي فكيف تخبرونَهم. وعوض  أن يشهدوا بالحق فيفوزوا صاروا يحرفون النعت الذي ذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، لتضليل الناس وصرفهم عن اتباعه. وقال تعالى: (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *). [سورة: آل عمران - الأية: 93-94]
قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ *).
قال تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ *). [سورة: آل عمران - الأية: 187].
قصة عبد الله بن سلام كبير علماء اليهود:
قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *).[سورة: الأحقاف - الأية: 10]. يقول: كيف تكفرون به وتستكبرون عنه وقد شهد شاهد من علماء بني إسرائيل أنه حق، وهذا الشاهد هو عبد الله بن سلام. ففي صحيح البخاري [3329]: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أُمّه؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أخْبَرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فَأَقْبَلُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَيْلَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، فَأَسْلِمُوا، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا كَذَبْتَ، قَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. 
ومن دلائل النبوة انشقاق القمر: وذلك أن أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله مسلم: إن كنت صادقا فشُقَّ لنا القمر شِقتين، فدعا ربه فانشق، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله مسلم لأصحابه: اشهدوا، وقال أبو جهل وأصحابه: سحركم محمد، ثم قالوا: أنْظِروه حتى يقدم السُّفَّار، أي المسافرون، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فإن حدثوكم أنّهم رأوه فهو صادق، فجاء المسافرون فحدثوهم أنّهم رأوه، فقال أبو جهل وأصحابه: هذا سحر مستمر، أي لا ينقطع، فأنزل الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ)، وذلك لأنّهم باتباعهم الهوى لن يقروا بالحق.
من دلائل النبوة نبع الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله مسلم: روى البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ.
ومن دلائل النبوة ما رواه البخاري 169 ومسلم : من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ، قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. الوَضوء: هو الماء الذي يُتوضأ به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق