الأربعاء، 22 فبراير 2017

الزهد والرقائق

الزهد والرقائق
بسم الله الرحمن الرحيم
اغتنام الفراغ قبل الشغل:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ ". رواه البخاري. مغبون: محروم وخسرت تجارته.
وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ". رواه ابن المبارك في الزهد وهو مرسل. وأخرجه الحاكم في المستدرك من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ". وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وعَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، قَالَ: " مَا نَنْتَظِرُ مِنَ الدُّنْيَا إِلا كَلًّا مُحْزِنًا، أَوْ فِتْنَةً تُنْتَظَرُ ". رواه ابن المبارك في الزهد. والكل: الضعف، والفتنة: ما يمتحن به المرء من النعم والنقم التي تصرفه عن الطاعات.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ". رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ". رواه الترمذي والحاكم. مفندا: أي موقعا في الخرَف والهذيا. الفَنَدُ في الأصل الكَذِب . وأفْنَدَ : تَكلم بالفَنَد . ثم قالوا للشيخ إذا هَرِم: قد أفْنَد . لأنه يَتَكلَّم بالمُخرَّف من الكلام عن سَنَن الصِّحة، وأفْنَده الكِبَر : إذا أوقَعه في الفَنَد . مُجْهِزا: أي : سَريعا . يُقال : أجْهَز على الجَرِيح ، يُجْهز ، إذا أسْرع قَتْلَه. أدهى: أي أعظمُ مصيبةً.
وعَنِ الْحَسَنِ بن أبي الحسن البصري، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، " إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ، فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِغَدٍ، فَإِنْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ فَكِسْ فِي غَدٍ كَمَا كِسْتَ فِي الْيَوْمِ، وَإِلا يَكُنْ لَكَ لَمْ تَنْدَمْ عَلَى مَا فَرَّطْتَ فِي الْيَوْمِ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا كَانَ أَحَدُهُمْ أَشَحَّ عَلَى عُمُرِهِ مِنْهُ عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الهُذَلِي، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا لا يَسْتَكْمِلُهُ، وَمُنْتَظِرٍ غَدًا لا يَبْلُغُهُ، لَوْ تَنْظُرُونَ إِلَى الأَجَلِ وَمَسِيرِهِ لأَبْغَضْتُمُ الأَمَلَ وَغُرُورَهُ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيّ، قَالَ: قِيلَ لِرَجُلٍ فِي مَرَضِهِ: أَوْصِنَا، قَالَ: " أَنْذَرْتُكُمْ سَوْفَ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: " كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ "، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.
باب المداومة على العمل:
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: "( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا )، قَالَ: يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا،( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )، قَالَ: يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ لا يُنْجِيَهُمْ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ عز وجل ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قال: " لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ رَاحَةٌ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَتْ رَاحَتُهُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ فَكَأَنْ قَدْ ". رواه ابن المبارك في الزهد. يعني وكأن قد وجد راحته.
وعن الْحَسَن، قال: " أَيْ قَوْمِ، الْمُدَاوَمَةَ الْمُدَاوَمَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: "ف وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُق، قَالَ: الْمَوْتُ " . وعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا نَظَرَ إِلَيْكَ الشَّيْطَانُ فَرَآكَ مُدَاوِمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَبَغَاكَ وَبَغَاكَ، فَرَآكَ مُدَاوِمًا مَلَّكَ وَرَفَضَكَ، وَإِذَا كُنْتَ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا طَمِعَ فِيكَ ". رواهما ابن المبارك في الزهد.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَابَ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ مَنْ يَدْأَبْ قَرْعَ بَابِ الْمَلِكِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قال: " إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَابَ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ مَنْ يَدْأَبْ قَرْعَ بَابِ الْمَلِكِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: "ف اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِق، قَالَ: حَقَّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسَى ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: " فَضْلُ صَلاةِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ كَفَضْلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْعَلانِيَةِ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: "ف وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِق، قَالَ: وَأَنْتَ حَرِيصٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ". رواه الترمذي.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَلَى قَبْرٍ دُفِنَ حَدِيثًا، فَقَالَ: " رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحْقِرُونَ وَتَنْفِلُونَ، يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ ". رواه الطبراني في الأوسط وابن المبارك في الزهد.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ "، قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ ". رواه الترمذي.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ المُزَنِي، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " لَوْ أَنَّ عَبْدًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ زِيدَ كَيْمَا يَزْدَادُ مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ ". رواه ابن المبارك في الزهد. يعني يحقر عمله في ذلك اليوم الرهيب.
عَنِ الْحُرَيْثِ بْنِ قَيْسٍ الجُعْفي، قَالَ: " إِذَا أَرَدْتَ أَمْرًا مِنَ الْخَيْرِ فَلا تُؤَخِّرْهُ لِغَدٍ، وَإِذَا كُنْتَ فِي أَمْرِ الآخِرَةِ فَامْكُثْ مَا اسْتَطَعْتَ، وَإِذَا كُنْتَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فَتَوَخَّ، وَإِذَا كُنْتَ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ لَكَ الشَّيْطَانُ: إِنَّكَ تُرَائِي، فَزِدْهَا طُولًا ". رواه ابن المبارك في الزهد. فَتَوَخَّ: يعني توخَّ أن لا تفتنك الدنيا، فَزِدْهَا طُولًا: لأنه إذا زاد صلاته طولا مخالفة للشيطان، كان قد عالج نيته، فهو الإخلاص بعينه.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: " إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ ". رواه ابن المبارك في الزهد.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بَدَأَ بِالْيَمِينِ قَبْلَ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: " مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا سيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، مَا غَرَّكَ بِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟ ". رواه ابن المبارك في الزهد.

وعن أَبي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ إِذَا وُقِفْتُ عَلَى الْحِسَابِ، أَنْ يُقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْتَ، فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ ". رواه ابن المبارك في الزهد.

الثلاثاء، 14 فبراير 2017

شرح معاتي الأذكار

معاني الباقيات الصالحات 1: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر: سبحانَ الله: مصدر مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أسبِّحه، أي تسبيحا، وهو مضاف، واسم الجلالة مضاف إليه: فالكلام جملة فعلية، ومعناه: أُنَزِّه الله عز وجل وأُبَرِّئُه من كل صفة ناقصة أو مَعِيبَة لا تَليق بكماله وجلاله وعظمته، ومن كل ما ينسُبه إليه الظالمون، (سبحان الله عما يصفون)، فلا بد للمسبح أن يلاحظ هذا المعنى ويتدبره بقلبه وهو يسبح.
الحمد لله: الحمد لله: الحمد: اسم مبتدأ به، والخبر عنه ما تعلق به الجار والمجرور "لله"، وتقديره: ثابتٌ لله أو نحوُه. فالكلام جملة اسمية، تفيد الدوام والثبوت، والحمد: كلمة عظيمة تجمع لله كل المحامد وكل الصفات الكاملة والجميلة. فهي أفضل من سبحان الله من جهتين: أولا: من جهة الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت؛ ثانيا: من جهة الإثبات، فالإثبات أبلغ من النفي، لأن إثبات الشيء في الغالب يُفهم منه نفي ضده، وأما نفي الشيء فلا يفهم منه إثباتُ ضده، أي أن إثبات صفة الكمال في الغالب يستلزم نفي النقائص، وأما نفي النقائص فلا يستلزم إثبات الكمالات.
سبحان الله وبحمده: سبحان الله وبحمده: الأصل في هذا الكلام: "بحمده" بدون واو، قال تعالى (وسبح بحمد ربك)، وعلى هذا: فحرف الجر مع مجروره متعلقان بصفة محذوفة تفهم من الكلام: والتقدير: أسبحه تسبيحا مقروناً بحمده، أي أنزهه عن النقائص تنْزيها مقرونا بإثبات الكمالات له، فهي جامعة بين النفي والإثبات، فهي أفضل من سبحان الله وحدها ومن الحمد لله وحدها، ولهذا اختارها الله لملائكته، يسبحون بِها ليلهم ونَهارهم لا يفترون. وأما "وبحمده" فالواو عاطفة، والتقدير والله أعلم: أسبحه تسبيحا وبحمده أُثني عليه، والله سبحانه أعلم.
لا إله إلا الله: لا إله إلا الله: لا نافية للجنس، والاسم بعدها اسمها مبني على الفتح في محل نصب أي إلهاً، وخبرها محذوف تقديره موجود أو كائن، إلا: أداة استثناء من نفي الجنس، واسم الجلالة بعدها: بدل من إله مرفوع، لأن "إله" في الأصل مرفوع بالابتداء قبل دخول "لا" عليه، وهو مستثنًى من النفي. وهذه الكلمة هي أفضل الكلمات على الإطلاق، ومن أجلها خلق الخلق، وأنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، ومن أجلها أعد الله الجنة نعيما لأوليائه المتقين، والنار عذابا لأعدائه الكفرة المجرمين، ومعناها: لا معبود إلا الله، أي بحق، لأنه قد عبد غيره بباطل .
الله أكبر: الله أكبر: كلام مركب من مبتدأ به، وخبر عنه، وهو جملة اسمية تفيد الدوام والثبوت، ومعناها: أن الله تعالى هو الكبير المتعال، ولا كبرياء لأحد سواه. واسم الجلالة هو اسم الله الأعظم الذي تنفتح به مغاليق الأبواب، وهو الذي يجتمع به ما ثبت من الأحاديث عن رسول الله K، وينتهي النِّزاع والخلاف في هذه المسألة، ولعل توافقني لأني أقول لك: إن الله تعالى سمى نفسه باسمه الأعظم، وجعله علما على أسمائه كلها، فهو أفضل أسمائه على الإطلاق، وهو اسمه الأعظم.
شرح معاني الأذكار: دعاء الاستفتاح في الصلاة: (سبحانَك اللهم وبحمدك): يعني أسبحك تسبيحا مقترنا بالحمد، كأنه قال: سبحان الله والحمد الله، أي أنزهك عن صفات العيب والنقص، وأثني عليك بصفات كمالك، (وتبارك اسمك) أي كثرت بركته، (وتعالى جّدُّك) أي علت عظمتك (ولا إله غيرك) أي لا معبود سواك، أي بحق، وغيره عُبِد بباطل.
(اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) يحتمل المباعدة بين الخطايا الموجودة، وبين الوقوع في الخطايا الجديدة، (اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ) والمراد تنقية القلب من آثار الذنوب، أو محوها من الصحائف، (اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ) أي بكل مطهر.
(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي ألتجئ إليه وأحتمي به من شر الشيطان، وهو إبليس وجنوده، الرجيم: أي المطرود من رحمة الرحيم. (بسم الله الرحمن الرحيم) أي باسمه أبدأ عملي أو صلاتي أو قراءتي، لا بغيره مما كانوا يبدؤون به في الجاهلية، مستمدا منه العون، ثم أثنى عليه باسمين من أسمائه، مشتقان من الرحمة، وهي من صفات كماله، لأنه يطلب المعونة، وهي من نعمه، ونعمه من رحمته سبحانه.
(الحمد لله رب العالمين) الحمد كلمة تجمع لله كل الصفات الكاملة والجميلة، فهو مدبر أمر المخلوقات كلها (الرحمن الرحيم) اسمان يدلان على صفة من صفاته وهي الرحمة، فمن رحمته أفاض النعم وأسبغها (ملك يوم الدين) أي التصرف المطلق يوم الحساب، ففيه إشارة إلى الحساب والجزاء، (إياك نعبد وإياك نستعين) لا نعبد غيرك من الآلهة المزعومة ولا نستعين بغيرك من الأنداد، (اهدنا الصراط المستقيم) أي أرشدنا إلى دين الإسلام الموصل إليك، وثبتنا عليه، (صراط الذين أنعمت عليهم) طريق من أنعمت عليهم من أهل الخير، ومنهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) لا طريق الذين حل بِهم غضبُك بسبب مجاوزتِهم الحدود كاليهود، ولا الذين ضلوا بابتداعهم في الدين كالنصارى.
شرح معاني الأذكار: الذكر في الركوع: (سبحان ربي العظيم) أسبح ربي العظيم تسبيحا وأنزِّهُه وأُبرِّئُه من كل الصفات الناقصة التي لا تليق بجلاله وعظمته، ومما ينسُبه إليه المشركون والظالِمون، (اللهم لك ركعت) أي لك لا لغيرك، (وبك آمنت ولك أسلمت) أي بك صدقت، ولك انقدتُ بامتثال الأوامر واجتناب المناهي، (خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبَبي) أي خضعت وسكنت لك كل جوارحي، والمراد بالمخ: النِقي الذي بداخل العظم.
شرح معاني الأذكار: الذكر عند الرفع من الركوع والاعتدال:
(سمع الله لمن حمده) أي سمعه واستجاب له، ويأتي بِها لأنه كان يسبح الله ويحمده في ركوعه، (ربنا ولك الحمد) الكثير في الرواية إثبات الواو في "ولك" وهي تفيد معنى زائدا: أي ربنا استجب ولك الحمد دائما، والمراد بالحمد: اتصافه سبحانه بالصفات الحميدة والكاملة والجميلة؛ وكلُّ المحامد ثابتةٌ له، ومعنى حمده: أَثْبَتَ له ذلك وأثنى عليه به.
شرح معاني الأذكار: الذكر في السجود: (سبحان ربي الأعلى) أي أنزهه سبحانه وأبرئه عن كل الصفات الناقصة والمَعيبة، فهو سبحانه الأعلى لا يتصف بصفات الأسفلين، (اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ) أي لك لا لغيرك (وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ) آمنت بك وانقدت لك لا لغيرك بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ) صوره في الأرحام كيف يشاء (وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ) لا يستدل به على أن الأذنين من الوجه، فتغسلان في الوضوء مع الوجه، ولكن هما تمسحان مع الرأس على الراجح (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أي تعالى وتعاظم ونالتنا بركاته.
وفي صحيح مسلم: (اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) (وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ) المعافاة: هنا عدم المؤاخذة بالذنب (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ) لا منجا منه، ولا ملجأ إلا إليه (لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) أي لا أطيقه، لذلك من أراد أن يتم لله الثناء فليقل: الحمد لله، لأنَّها تجمع له كل المحامد والصفات العُلى (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ).
وفي صحيح مسلم: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ) (دِقَّهُ وَجِلَّهُ) أي الدقيق منه والجليل، أي صغار الذنوب وكبارها (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) ما تقدم وما تأخر، فيدخل فيه ما لم يقترفه بعد (عَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) أي ما يَظهر للعباد وما يَخفى عنهم، أو المراد بالسر ما تكنه الأنفس قال تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) وهذا معفو عنه ما لم يتكلم أو يعمل، ولكن مع هذا فالاستغفار منه مطلوب.
شرح معني الأذكار: الدعاء بين السجدتين: في سنن الترمذي (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) المغفرة الستر، والمراد العفو وهو المحو من الصحائف (وَارْحَمْنِي) أي أحسن إلي برحمتك ولا تؤاخذني بذنوبي (وَاجْبُرْنِي) أي اجبر كسري وخذ بيدي فيما يصيبني، وعند أبي داود (وَعَافِنِي) العافية هي السلامة من الآفات في البدن والمال، ويدخل فيها الدعاء بالسلامة من الذنوب (وَاهْدِنِي) أي وفقني لمعرفة الحق، ولا يزال المؤمن يهتدي ويزيده الله إيمانا واهتداء (وَارْزُقْنِي) أي وسع علي رزقي، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6].
شرح معاني الأذكار 10 دعاء التشهد: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) التحية هي السلام، والمراد بِها ما يعظَّم به، كرفع اليدين والركوع والسجود، فهي لله دون غيره (وَالصَّلَوَاتُ) أي الخمس والنوافل، له لا لغيره، أو الدعوات فهو يدعى دون غيره (وَالطَّيِّبَاتُ) هي الزاكيات من الأقوال والأعمال، (السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) أي سلمت من كل مكروه، وبِها تحيتنا (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) أي إحسانه (وَبَرَكَاتُهُ) أي زيادته في الخير (السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) دعاء لعامة الصالحين، فأجدرُ أن يصيبَ الصالحين كلهم نفعُها (أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ) أي المعبود بحق دون سواه (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أي مبعوثه إلى الخلق لهدايتهم .
شرح معاني الأذكار: الصلاة على النبي بعد التشهد: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) الصلاة عليه أن يذكره في الملأ الأعلى، أي عند ملائكته المقربين (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) في رواية: "وأزواجه وذريته" البخاري 3369"، ويدخل أولاد فاطمة بدليله الصحيح، ومنهم من أدخل مؤمني بني هاشم وبني المطلب، وقيل كل مؤمن (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) و(بَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) أي أفِضْ عليهم من بركاتك وخيراتك (كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي المحمود الموصوف بكل كمال، والمجيد: الموصوف بكمال الشرف والكرم، قال تعالى: (رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) [هود: 73].

شرح معاني الأذكار 12 الدعاء بعد التشهد: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) اسم علم لنار الآخرة أعدها الله للكافرين (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) الفتنة هي الاختبار والامتحان، وأراد ما يفتن به المرء في دنياه من الشهوات والشبهات، وعند مماته من المسألة في القبر وغيرها (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) وهو الكذاب الذي يخرج في آخر الدنيا فيزعم أنه رب العباد، حيث يُفتن به الخلق إلا من ثبته الله، مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر، يقرؤها كل مؤمن، وفي حديث آخر: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) أي الإثم، والمغرم: هو الدَّيْن .

ما جاء في حجاب المرأة المسلمة

النقاب، كان من عادة النساء في الجاهلية قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أمر الله النساء بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [سورة: الأحزاب - الآية: 59]، وأمرهن الإسلام بقوله: قال تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ، وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة: النور - الآية: 31]. والراجح أن المراد بالزينة هنا ما تظهره النساء من الخلخال في الساق، والقرط في الأذن والقلادة في الصدر، وغيرها، فلذلك ختم الآية، بقوله: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) حيث كانت المرأة إذا مر بِها الرجال حركت رجلها ليسمع الرجال صوت خلاخلها من تحت الثياب، فنُهي النساء عن ذلك.
ومنهم من فسر الزينة بالوجه والكفين، وهو وجه مرجوح، وذلك لأن في أول الآية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، والمراد بالجيب: فتحة القميص في الصدر، وكانت عادة النساء، أن يكشفن صدورهن ليظهر ما في صدورهن من القلائد، فأمر بقطع الخمر من الجلابيب، بقوله: (يدنين عليهن من جلابيبهن) فروى البخاري من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. يعني قطعن الخمر من أزرهن. والخمار وهو ما يخمر به أي يغطي به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع. قال سعيد بن جبير: "وليضربن" وليشددن " بخمرهن على جيوبِهن" يعني على النحر والصدر.
(يغضضن من أبصارهن) أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. ولهذا لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة، وفي صحيح البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فهذا الحديث ظاهر.
وأما نظرها للحاجة من غير شهوة فهذا لا شك في جوازه عند البراءة، ويدل عليه أن عائشة أن المؤمنين كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، ففي الصحيحين أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ.
وروي عن ابن عباس: "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" قال: وجهها وكفيها والخاتم.. يعني فيجوز إظهارهما، لأنّها من الزينة الظاهرة.
ويستأنس لهذا التفسير بالحديث الذي رواه أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: " يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ ". وهو حديث ضعيف الإسناد. قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هو مرسل.
وذكر الله في الآية المتقدمة محارم المرأة.
وقوله "أو نسائهن" يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها" أخرجاه فى الصحيحين.
ومما يدل على عدم وجوب النقاب وأنه من عادة النساء فقط: ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ".
وهذا هو الحديث الواحد الذي ذكر فيه النقاب على ما أعلم، وهو كالصريح في أنه عادة للنساء وليس بأمر شرعي، وإلا فلم تنهى عنه الحاجة والمعتمرة، وليست منهية عن ستر وجهها بغير النقاب في الحج والعمرة، ويدل عليه ما رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذلك بأن يسدلن على وجوههن من فوق، لا بالنقاب.
وعلى فالنقاب هو مسألة جائزة وليس مأمورا به.
ويبقى وجوب ستر الوجه بغير النقاب، هل يجب، أو لا يجب؟ فنقول: ما تقدم يدل على عدم الوجوب، إلا أنا نقول: الستر أفضل وأقرب إلى موافقة الشرع، والستر بنقاب أو غيره، لغير المحرمة، ولكن لا نقول بالوجوب، والله سبحانه أعلم بالصواب.
الخلاصة: لا يجوز النقاب للمحرمة بالحج والعمرة، ويجوز لها ستر وجهها بالإسدال من فوق.
لا يجب على المرأة أن تنتقب أو تستر وجهها بشيء، بل يجوز لها إظهار وجهها وكفيها، ولكن مع غض البصر عن الأجانب، إلا أن الأفضل أن تستر وجهها بنقاب أو غيره.

من دلائل النبوة

أبواب دلائل النبوة
مقدمة في بيان الآيات التي أوتيها نبينا عليه الصلاة والسلام:
لما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن ينزل عليه من الآيات البينات التي يكون بها تحدي المعاندين، بل جعل له القرآن آية عظيمة، فتحدى العرب أن يأتوا بسورة من مثله، فكان التحدي بالقرآن هو الآية الأولى لنبينا عليه الصلاة والسلام، ويزداد التحدي بكونه رجلا أميا لم يقرأ ولم يكتب، وكان فيهم الشعراء والفصحاء، ولكنهم عجزوا، قال تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) [سورة: العنكبوت - الآية: 48]. يعني لو كنت تقرأ أو تكتب لكان لهم أن يرتابوا.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يرغب إلى ربه أن ينزل عليه من الآيات مثل الذي كان يؤتاه الأنبياء، لكن الله تعالت قدرته وسلطانه يأبى على نبيه ذلك فيقول: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة: العنكبوت - الآية: 50-51]، يعنى كفى بهذا القرآن حجة قاطعة وبرهانا ساطعا، فماذا يريدون، لا يريدون إلا العناد، مهما جئت به، ويزاد على ذلك أن علماء أهل الكتاب كانوا يبشرون الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا أوان بعثة خاتم النبيين، فلما بعثه الله آمنت طائفة قليلة من علمائهم لا تبلغوا العشرة، وكفر آخرون منهم بغيا وظلما وحفاظا على تلك الأجور التي كانوا يتقاضونها، قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) [سورة: طه - الآية: 133]. وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ) [سورة: الشعراء - الآية: 196-197]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم تزداد رغبته ورجاؤه في ربه أن ينزل عليه من تلك الخوارق الملجئة إلى الإيمان، فيقول له ربه تبارك وتعالى: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ، وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [سورة: الأنعام - الآية: 35] يعني أن الله هو الهادي فلا تكن جاهلا فتسأل ربك ما ليس لك به علم، كما قال لموسى عليه السلام: (فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [سورة: هود - الآية: 46]. ثم بين له ربه تبارك وتعالى أن ما منعه من إرسال تلك الخوارق هو كون الأولين كذبوا بها فأهلكهم، قال تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ، وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا، وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) [سورة: الإسراء - الآية: 59] حيث جاء الناقة بطلب منهم وكان لهم فيها الخير والنفع العظيم، لكنهم ضاقوا بها ذرعا فعقروها فأهلكهم الله. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه من رواية أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ من الآيات مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". لكن كان ذلك في أول الأمر قبل تنزل الآيات على نبينا عليه الصلاة والسلام. وازداد إصرار النبي الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم على ربه في الطلب، حتى استجاب الله دعاءه، حيث قال له المشركون: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق القمر بقدرة من له الملك والعزة والقهر والسلطان، فشق له القمر آية بينة قاطعة، ولم يزدد بها الظالمون إلا نفورا، واستكبروا وعتوا عتوا كبيرا. فتواترت بعد ذلك الآيات، وقد عد له العلماء الذين تكلموا في دلائل النبوة  أكثر من ألف آية (معجزة). وسوف يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
ما جاء في إعجاز القرآن، وتحدي العرب أن يأتوا بسورة من مثله
قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ، هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة: الأعراف - الآية: 52]. وقال تعالى: (الَر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [سورة: هود - الآية: 1]. لكنه مهما أُحكم فإن المعاندين كذبوا به وزعموا أن محمدا يختلقه أو يعلمه إياه رجل من أهل الكتاب، أو تعلمه إياه الشياطين، أو أنه شاعر مجنون أو ساحر كذاب، فرد عليهم ذلك فقال: تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [سورة: الفرقان - الآية: 4-6]. أي أنزله الله الذي يعلم ما تسرونه من المكر، الذي تستحقون عليه العذاب، ولكن الله يتجاوز عنكم لأنه غفور رحيم بكم. وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) [سورة: النحل - الآية: 103]. لأن الذي نسبوا إليه أنه يعلمه رجل من أهل الكتاب، وهم لا يتكلمون بالعربية، فهو لم يقرأ، ثم لو قرأ كيف يتأتى له أن يترجم الكلام الأعجمي فيأتي به بليغا فصيحا على هذا النحو، وقال تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) [سورة: الشعراء - الآية: 210]. وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) [سورة: يس - الآية: 69]. وتحداهم الله تعالى أن يأتوا بكلام مثله فقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) [سورة: الطور - الآية: 33-34]. وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [سورة: هود - الآية: 13]. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [سورة: يونس - الآية: 37-38]. أي ادعوا من استطعتم من إنسكم وجنكم ليعينوكم. وقال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة: البقرة - الآية: 23]. وازداد لهم تحديا فقال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [سورة: الإسراء - الآية: 88]. ظهيرا أي معينا.
ما جاء في أمرهم بتدبر القرآن:
وأمرهم الله تعالى أن يتدبروا القرآن فقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [سورة: النساء - الآية: 82]. وقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [سورة: محمد - الآية: 24]، يعني ألم يتدبروه فيعلموا أنه حق أم أن قلوبَهم مقفلة لا يجد إليه النور سبيلا، وهذا هو الواقع أن قلوبهم مطموسة.
القرآن هو النور المبين والروح الذي تحيا به القلوب:
وصف الله تعالى كتابه في كثير من الآيات بأنه النور المبين الذي يستنار به في الظلمات، والروح الذي تحيا به الأنفس، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) [سورة: النساء - الآية: 174]. وقال تعالى: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [سورة: المائدة - الآية: 15-16]. وقال تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) [سورة: النحل - الآية: 2]. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا، مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [سورة: الشورى - الآية: 52]
افتتاح كثير من السور بحروف تدل على الإعجاز:
كقوله تعالى: (الم) [سورة: البقرة - الآية: 1]، ثم يتبعها بكلام دال على أن القرآن حق لا شك فيه، (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) [سورة: البقرة - الآية: 2]، وقال تعالى: (الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة: السجدة - الآية: 1-2]. وقال تعالى: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [سورة: هود - الآية: 1]. وقال تعالى: (حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [سورة: غافر - الآية: 1-2]. وقال تعالى: (حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [سورة: فصلت - الآية: 1-2]. وقال تعالى: (حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة: الشورى - الآية: 1]. وقال تعالى: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) [سورة: الرعد - الآية: 1]. وغيرها من فواتح السور كثير.
ذكر القرآن لقصص الأنبياء والمرسلين:
هذا القصص الذي ذكره القرآن هو من أخبار الغيب التي لم يتلقاها النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، ولا سبيل له إلى معرفتها إلا من مشكاة الوحي، فجعله الله تعالى لنبيه آية من آيات صدقه ودليلا على نبوته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى، وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة: يوسف - الآية: 111]. فلذلك كلما ذكر القرآن قصة ختمها بالإخبار بأنها من أنباء الغيب، قال تعالى بعد ذكر قصة مريم: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [سورة: آل عمران - الآية: 44], وقال بعد ذكر قصة نوح: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [سورة: هود - الآية: 49]، أي فاصبر على تبليغ رسالة ربك ولا يستخفنك ما يقوله المجرمون وما ينسبونه إليك من اختلاق القرآن، فإن العاقبة الحسنة للذين يتقون ربهم بالاستجابة له. وقال تعالى: (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [سورة: هود - الآية: 120]، فذكر الحكمة من ذلك القصص، عدا ما ذكرناه، وهو تثبيت فؤاد نبيه صلى الله عليه وسلم، بالاقتداء بإخوانه المرسلين في الصبر. وقال تعالى بعد ذكر سورة يوسف: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) [سورة: يوسف - الآية: 102]، أي ما كنت حاضرا مع إخوة يوسف إذ أجمعوا أمرهم على إلقائه في غيابات الجب. وقال تعالى بعد ذكر قصة موسى: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا، وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [سورة: القصص - الآية: 44-46]. الغربي أي الجبل الغربي، وهو طور سيناء، يعنى بعُدَ عهد الناس بالنبوة فبعثناك، لحاجة الناس إلى من يهديهم، وليس كما يزعمون أنك تختلق هذه الأخبار.
القرآن أحسن الحديث:
قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ) [سورة: الزمر - الآية: 23]. أي كتابا تتكرر فيه المواعظ وتتشابه، وقال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [سورة: الزمر - الآية: 55].
اعتراف زعيم الكفار بـأن القرآن حق:
قال تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *) [سورة: المدثر - الآية: 18-25]. وهذا المذكور هو الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة، (الصديق)، فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا، وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبُؤُ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم "ذرني ومن خلقت وحيدا- إلى قوله- لا تبقي ولا تذر". وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر.
إيمان نفر من الجن لما استمعوا إلى القرآن:
قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى، مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *) [سورة: الأحقاف - الآية: 29]. وكان هؤلاء الجن كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا (يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ) وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل:
ذكر الله عز وجل في كثير من الآيات أن علماء أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم بما ذكره من نعوته في التوراة والإنجيل، قال تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) [سورة: الأعراف - الأية: 157]. وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [سورة: البقرة - الأية: 146]. فذكرهم الله تعالى في القرآن بالعهد الذي أخذه عليهم وعلى أنبيائهم من الإيمان بمحمد خاتم النبيين ونصرته واتباع شريعته، وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْناكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) [سورة: آل عمران - الأية: 81]، وهذا العهد أخذه على أنبيائه كلهم، فمتى بعث هذا النبي وجب على الأنبياء وأتباعهم اتباعه وترك ما هم عليه، كما في مسند الإمام أحمد [14736] وسنن الدارمي [435] من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي)، يعني لو لم يتبعني ضاقت عليه الأرض بما رحُبت، فوجب على أتباع موسى وهم اليهود وأتباع عيسى وهم النصارى أن يؤمنوا بنبينا عليه الصلاة والسلام بما أُخذ من العهد عليهم، قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ *). [سورة: البقرة - الأية: 40-42]. يعني أوفوا بعهدي: وهو الإيمان بخاتم النبيين بدليله خاصة، وبغير ذلك عامة، أوف بعهدكم: بحسن الإثابة وإتمام النعمة. مصدقا لما معكم: أي للتوراة، لأنّها شاهدة على صدقه. أول كافر به: أي لا تسبقوا الناس إلى الكفر به، وعندكم من دلائل صدقه ما يُغنيكم. (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) لا تسترخصوا الحق فتتركوه مقابل ثمن قليل، وهو الأجر الذي يتقاضاه العلماء، أي لا تستبدلوا بِها ثمنا زهيدا، وهو ما يصرف لكم من الأجور، فتكتمون الحق (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) اتقوا عذابي بامتثال أمري، واجتناب نَهيي، لا غيري.
وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *). (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ) أي يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم على المشركين، وذلك أنّهم كانوا إذا اشتدت الحرب بينهم وبين المشركين، أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على مكان ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان، أن تنصرنا اليوم على عدونا، فينصرون. (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) أي جحدوه، وهذا أقبح الكفر، لأنّهم كفروا بما يعرفون قطعا أنه الحق.
وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ *).[سورة: يونس - الأية: 94-95]
ذكر من أعرض من أهل الكتاب:
أعرض كثير من علماء اليهود عن الشهادة بالحق والوفاء بالعهد الذي أخذه الله عليهم في التوراة والإنجيل، وآمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم طائفة قليلة، لا تبلغ العشرة، ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ) [البخاري 3941 مسلم 2793]، ولفظ رواية مسلم: (لَوْ تَابَعَنِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ). وهذه الطائفة المسلمة جاء القرآن بالثناء عليهم في كثير من الآيات: قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *). [سورة: آل عمران - الأية: 199]، وقال الله تعالى للمشركين والمعاندين من العرب: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا *). أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به العلماء من قبله، إذا استمعوه سجدوا لربهم باكين ضارعين بما عرفوه من الحق، كما قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [سورة: المائدة - الأية: 83]. أي مع الشاهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على كل الأمم يوم القيامة. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ، وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ). [سورة: الرعد - الأية: 36]. يعني أحزاب اليهود والنصارى المعرضين يؤمنون ببعض القرآن ويكفرون ببعضه، وقد وصفهم الله تعالى في القرآن بالمقتسمين: قال تعالى: (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [سورة: الحجر - الأية: 90-91] أي جعلوه أجزاء آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. وقال الله تعالى أيضا للمعاندين من العرب: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً، قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ *). [سورة: الرعد - الأية: 43]. يعني علماء أهل الكتاب.
وقال تعالى في المعرضين منهم: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ *). (بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ) أي بما بينه لكم خاصة، من نعت محمد في كتابكم، ومن أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه ونصرته، يعني أنه سر ينبغي أن يُكتم (لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) أي فكيف تخبرونَهم. وعوض  أن يشهدوا بالحق فيفوزوا صاروا يحرفون النعت الذي ذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، لتضليل الناس وصرفهم عن اتباعه. وقال تعالى: (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *). [سورة: آل عمران - الأية: 93-94]
قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ *).
قال تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ *). [سورة: آل عمران - الأية: 187].
قصة عبد الله بن سلام كبير علماء اليهود:
قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *).[سورة: الأحقاف - الأية: 10]. يقول: كيف تكفرون به وتستكبرون عنه وقد شهد شاهد من علماء بني إسرائيل أنه حق، وهذا الشاهد هو عبد الله بن سلام. ففي صحيح البخاري [3329]: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أُمّه؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أخْبَرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فَأَقْبَلُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَيْلَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، فَأَسْلِمُوا، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا كَذَبْتَ، قَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. 
ومن دلائل النبوة انشقاق القمر: وذلك أن أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله مسلم: إن كنت صادقا فشُقَّ لنا القمر شِقتين، فدعا ربه فانشق، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله مسلم لأصحابه: اشهدوا، وقال أبو جهل وأصحابه: سحركم محمد، ثم قالوا: أنْظِروه حتى يقدم السُّفَّار، أي المسافرون، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فإن حدثوكم أنّهم رأوه فهو صادق، فجاء المسافرون فحدثوهم أنّهم رأوه، فقال أبو جهل وأصحابه: هذا سحر مستمر، أي لا ينقطع، فأنزل الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ)، وذلك لأنّهم باتباعهم الهوى لن يقروا بالحق.
من دلائل النبوة نبع الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله مسلم: روى البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ.
ومن دلائل النبوة ما رواه البخاري 169 ومسلم : من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله مسلم فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ، قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. الوَضوء: هو الماء الذي يُتوضأ به.